عمر فروخ

46

تاريخ الأدب العربي

بعض الشعراء على بعض ، وتضاربت آراؤهم في ذلك حتى أننا لا نجد لهم إجماعا على أحد ، ولا على امرئ القيس « 1 » . وكان اختلاف النقاد في غير امرئ القيس أكثر ، قال ابن سلّام ( ص 74 ) : « سمعت يونس بن حبيب يقول : ما شهدت مشهدا قطّ ذكر فيه جرير والفرزدق وأجمع أهل المجلس على أحدهما » . وكان النقّاد يتّخذون لتفضيل شاعر على آخر مقاييس مختلفة : منهم من قدم الشاعر لتقدمه في الزمن . ومنهم من يقدّم الشاعر لجودة معناه ، أو لحسن لفظه . ومنهم من قدّم الشاعر لهوى أو عصبية « 2 » . سئل بشار بن برد عن الأخطل والفرزدق وجرير فقال : « لم يكن الأخطل مثلهما ، ولكنّ ربيعة تعصّبت له وأفرطت فيه » « 3 » . ومن النقاد من يختار الشعر ( ويقدّم صاحبه ) على خفّة الرويّ ، أو على غرابة المعنى ، أو على نبل قائله ، أو على ندرته ، لأن صاحبه لم يقل غيره ، وعلى سوى ذلك « 4 » . والترجيح لا يكون في تقديم شاعر على شاعر فقط ، بل يكون في ادراك خصائص الشعر نفسه ، والنثر أيضا ، ومعرفة مرتبته في الإجادة . والعرب يسمّون هذا الفنّ « النقد » ، ويسمّونه أيضا الترجيح لأن من شأنه أن يرجّح بين حقيقة ومجاز ، أو بين حقيقتين ، أو بين مجازين ، ويكون ( المرجّح ) ناظرا في ذلك كله إلى الصناعة الخطابية « 5 » . وبعض المعاصرين لنا يسمّون هذا الفنّ « نظرية الجمال » أو « الفنّ الجمالي » أو « النقد الجمالي » « 6 » ؛ ويحسن أن يسمّى النقد البديعي أو البديعيات أيضا . ومهما جعلنا اسمه فإنه يقوم على الادراك

--> ( 1 ) طبقات الشعراء 16 وما بعد ؛ العمدة 1 : 76 ؛ جمهرة أشعار العرب 20 وما بعد . قال ابن سلام : « ما ينتهى إلى واحد يجتمع عليه ( في الشعر ) ، كما لا يجتمع على أشجع الناس وأخطب الناس وأجمل الناس » . ( 2 ) كان الرواة يتعصبون لشعراء من أقطارهم ( العمدة 1 : 80 ) : « إن علماء البصرة كانوا يقدمون امرأ القيس بن حجر ؛ وان أهل الكوفة كانوا يقدمون الأعشى ؛ وان أهل الحجاز والبادية كانوا يقدمون زهيرا والنابغة » ( طبقات الشعراء 16 ) . ( 3 ) طبقات الشعراء 86 . ( 4 ) الشعر والشعراء 5 وما بعدها . راجع العمدة 1 : 93 وما بعدها . ( 5 ) المثل السائر 26 . ( 6 ) والغربيون يسمون ذلك « استيتيك ، أستتكس » ويشتقون ذلك من كلمة يونانية هي « آيثيثسيس » ومعناها « الحس والادراك » .